السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
412
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فقوله تعالى : وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً بيان ثان وتأكيد لكون المعرف المذكور في الآية السابقة معرّفا جامعا مانعا للهداية والضلالة ثم أكد سبحانه البيان بقوله « قد بيّنا الآيات لقوم يذكّرون » أي إن القول حق بيّن عند من تذكر ورجع إلى ما أودعه اللّه في نفسه من المعارف الفطرية والعقائد الأولية التي بتذكرها يهتدي الإنسان إلى معرفة كل حق وتمييزه من الباطل ، والبيان مع ذلك للّه سبحانه فإنه هو الذي يهدي الإنسان إلى النتيجة بعد هدايته إلى الحجة . قوله تعالى : لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ المراد بالسلام هو معناه اللغوي - على ما يعطيه ظاهر السياق - وهو التعري من الآفات الظاهرة والباطنة ، ودار السلام هي المحل الذي لا آفة تهدد من حل فيه من موت وعاهة ومرض وفقر واي عدم وفقد آخر وغم وحزن ، وهذه هي الجنة الموعودة ولا سيما بالنظر إلى تقييده بقوله : « عِنْدَ رَبِّهِمْ » . نعم أولياء اللّه تعالى يجدون في هذه النشأة ما وعدهم اللّه من إسكانهم دار السلام لأنهم يرون الملك للّه فلا يملكون شيئا حتى يخافوا فقده أو يحزنوا لفقده قال تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( يونس / 62 ) وهم لا شغل لهم إلا بربهم خلوا به في حياتهم فلهم دار السلام عند ربهم - وهم قاطنون في هذه الدنيا - وهو وليهم بما كانوا يعملون وهو سيرهم في الحياة بنور الهداية الإلهية الذي جعله في قلوبهم ، ونوّر به أبصارهم وبصائرهم . ورما قيل : المراد بالسلام هو اللّه ، وداره الجنة ، والسياق يأباه وضمائر الجمع في الآية راجعة إلى القوم في قوله : « لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ » - على ما قيل - لأنه أقرب المراجع لرجوعها إليها غير أن التدبّر في الآيات يؤيد رجوعها إلى المهتدين بالهداية المذكورة بما أن الكلام فيهم والآيات مسوقة لبيان حسن صنع اللّه بهم فالوعد الحسن المذكور يجب أن يعود إليهم ، وأما